العيني
166
عمدة القاري
فيتضرعون ولا يقدرون على دفعه وقد مرت مباحثه في كتاب المظالم . 2 ( ( بابٌ الخَمْرُ مِنَ العِنَبِ ) ) قوله : ( الخمر من العنب ) يحتمل وجهين من حيث الإعراب : أحدهما : أن يكون لفظ باب مضافاً إلى الخمر ، فالتقدير : هذا باب في بيان الخمر من العنب ، أي : الخمر الكائنة من العنب وهذا لا ينافي أن يكون خمر من غير العنب . والآخر : أن يكون الخمر مرفوعاً بالابتداء ، ومن العنب ، خبره ، وهذا صورته صورة الحصر وهو يمشي على مذهب أبي حنيفة ، فإن مذهبه : الخمر هي ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد ، والخمر من غير العنب لا يسمى خمراً حقيقة ، وعلى مذهب غيره لا يراد منه الحصر ، وإن كانت صورته صورة الحصر كما في قوله عليه السلام : الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة ، رواه مسلم من حديث أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه فإن ظاهره يقتضي أن ينحصر الخمر على هاتين الشجرتين ، لأن قوله : الخمر اسم للجنس فاستوعب بذلك جميع ما يسمى خمراً ، فانتفى بذلك أن يكون الخارج منهما أن يسمى باسم الخمر ، مع أنه ورد في حديث ابن عمر : نزل تحريم الخمر : وهي من خمسة أشياء : العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل ، على ما يجيء عن قريب ، فإن كان الأمر كذلك يؤل الحديث . وقد أولوه بتأويلات . الأول : أن يكون المراد من قوله : من هاتين الشجرتين ، إحداهما كما في قوله عز وجل : * ( ( 6 ) يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ) * ( الأنعام : 130 ) . والرسل من الإنس لا من الجن ، وقوله عز وجل : * ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) * ( الرحمن : 22 ) ، وإنما يخرج من أحدهما فيكون المقصود من قوله : الخمر ، هي الكائنة من العنب لا من النخلة ، وكذلك الكلام في حديث ابن عمر المذكور . الثاني : أن يكون عنى به الشجرتين جميعاً ، ويكون ما خمر من ثمرهما خمراً . والثالث : أن يكون المراد كون الخمر من هاتين الشجرتين وإن كانت مختلفة ، ولكن المراد من العنب هو الذي يفهم منه الخمر حقيقة ، ولهذا يسمى خمراً سواء كان قليلاً أو كثيراً ، أسكر أو لم يسكر ، أو يكون المراد من التمر ما يكون مسكراً فلا يكون غير المسكر منه داخلاً فيه ، وكذا الكلام في كل ما جاء من إطلاق الخمر على غير العنب . فإن قلت : كل ما أسكر يطلق عليه أنه خمر ، ألا ترى حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام . قلت : المعنى في هذا الخبر وفيما جاء مثله من الأخبار أنه يسمى خمراً حالة وجود السكر دون غيره ، بخلاف ماء العنب المشتد فإنه خمر سواء أسكر أو لم يسكر ، والدليل قوله عليه السلام : الخمر ما خامر العقل ، على ما يجيء عن قريب ، فإنه إنما يسمى خمراً عند مخامرته العقل ، بخلاف ماء العنب المشتد ، وهذا هو التحقيق في هذا المقام ، فإني ما رأيت أحداً من الشراح حرر هذا الموضع ، بل أكثرهم غضوا عنه عيونهم ، غير أني رأيت في ( شرح ابن بطال ) كذا ذكر باب الخمر من العنب وغيره ، فإن صح هذا من البخاري فلا يحتاج إلى كلام أصلاً وإلاَّ فالمخلص فيه ما ذكرناه مما فتح لنا من الفيض الإلهي ، فله الشكر والمنة . 5579 حدّثنا الحَسَنُ بنُ صَبَّاحٍ حدثنا مُحَمَّدُ بنُ سابِقٍ حدثنا مالِكٌ هُوَ ابنُ مِغْوَل عنْ نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال : لَقدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ وما بالْمَدِينَةِ مِنْها شَيْءٌ . ( انظر الحديث : 4616 ) . مطابقته للترجمة من حيث إن المطلق لا يحمل إلاَّ على المأخوذ من العنب . والحسن بن صباح ، بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة : البزار بالزاي ثم الراء الواسطي ، ومحمد بن سابق من شيوخ البخاري ، وروى عنه هنا بالواسطة ، ومالك هو ابن مغول بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو وباللام البجلي بالباء الموحدة والجيم المفتوحتين ، وذكره دفعاً للالتباس بمالك بن أنس . قوله : ( لقد حرمت ) على صيغة المجهول من التحريم وتحريم الخمر كان في سنة الفتح قبل الفتح ، وجزم الدمياطي أنه كان في سنة الحديبية ، والحديبية كانت سنة ست ، وذكر ابن إسحاق أنه كان في وقعة بني النضير ، وهي بعد أحد وذلك سنة أربع على الراجح ، وفيه نظر لأن أنساً كان الساقي يوم حرمت وأنه لما سمع تحريمها بادر ، فأراقها فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك . قوله : ( وما بالمدينة ) أي : وما في المدينة ( منها ) ، أي : من الخمر ( شيء ) ومراده الخمر التي من ماء العنب لأن غيرها من الأنبذة من غير العنب كانت موجودة حينئذٍ ، والدليل عليه ما في حديث أنس الآتي عقيبه ، أو أن ابن عمر نفى بمقتضى علمه من ذلك ، أو أراد المبالغة في النفي كما يقال : فلان ليس بشيء .